Tajawoz E-Magazine, June 2006 - Issue 03

 

العودة إلى الفهرس
الصفحة الرئيسيَّة

 

العودة إلى الموقع

 

 Sky Main Page »

الدخان والكرسي المدولَب
(من نغم سفراوي)

    
     ترافقا معاً على مقاعد الدراسة والمحاضرات في الجامعة
، في شوارع بيروت ومقاهيها، في كلّ زاوية ومنعطف. على جذوع الأشجار حفرا اسميهما: وسيم زعيتر وماريا الخوري... على ألسنة الناس وعيونهم الفضوليّة.

     - البنت مسيحيَّة والصبيّ مسلم! مش معقول هالجيل...

     - مش عيب عليها تنكر دينها؟!

     - وين كرامة أبوها بين الناس؟

     كرامة... أيّ كرامة؟ والدها خسر كرامته منذ زمن في لعبة القمار. باعها لشراء الكحول ودفع ثمن انحرافه.

     هذه الأعمال محلّلة بالنسبة إليه. أما زواج ابنته من الشاب الذي تحبّ، فهو حرام، بحجّة الاختلاف في الدين.

     ابنته بنَظَرِه:

     «كافرة!!»

     حتّى إنه هدّدها: «سأذبحك إن عرفت أنَّكِ قابلت ذلك المحمّدي».

     وأشعلت سيجارة أخرى، فأخذت دوائر الدخان تتصاعد وترسم أشكالا غريبة، ترسم أفكارها...

     - لن تقصدي الجامعة بعد اليوم. فالجامعة أصبحت حجّتك لرؤية ذلك الشاب. من الآن فصاعدًا ستبقين في البيت، تساعدين أمّك في رعاية شؤون إخوتك...

      تحطّم الحلم، وانتهى الطموح. أمّا الحبّ، فقد وقع ضحيّة التعصّب الدينيّ وانغلاق المجتمع اللبناني...

     انقطعت كل وسيلة اتصال بوسيم، وانقطعت معها شرايين ماريا، سجينة غرفتها، أسيرة أفكارها. رأت عالمها ينهار حولها. عالمهما البلّوريّ سحقته الأديان ودنّست شفافيته.

     أما والدها، ناسك القمار والكحول، فقد استسلم لبريق الملذات القاتم، هادمًا حياة عائلته وابنته...

     أين الإيمان؟ أين هو الله؟ هل هو في تقديس الرذيلة؟ أم في تحليل المحرّم؟ هل هو التعصّب والتطرّف الظالم؟ ما هو الله؟

     ضاع الأمل، وضاع المخلّص، فغرقت ماريا في بحور الأحزان، وتاه وسيم في مدن الظلمات.

     ما زال ذلك الصوت يتردّد في نفسها، كصدى صراخٍ في فراغ الوديان، وفي صمت الليل... صوت تخنقه الدموع ويقطعه البكاء.

     - وسيم تعرّض لحادث... صدمته سيّارة، وحالته خطرة... هو في «مستشفى الحياة»... أرجوكِ منك أن تأتي بسرعة...

     بسرعة! أسرع من الوقت؟ أسرع من الموت؟ أم أسرع من السيارة التي أودت بحياة وسيم؟

     لا! لا يمكن أن يموت! فهي احتملت عذاب الفراق على أمل أن يعود وسيم ويخلِّصَها من مخالب والدها... كان هو أملها، عزاءها في وحدة سجنها... لا! لم يمت! لا!

     صرخت من عمق أعماق ضياعها صرخة ألم دامية، وهي تضرب بيديها باب بيت فقيدها، ولا أحد يفتح. لقد رحل... ذهب إلى مكان أفضل، حيث لا تطاله الطائفية والحقد الذي خلّفته الحرب بين أبناء الوطن.

     وهي ستلحق به، ستذهب معه حيث يمكنهما أن يكونا معًا حرّين، بعيدين عن ألسنة الناس وسخط الوالد المنحرف.

     تسلَّلت خارج غرفتها، إلى الدرج، صعودًا نحو سطح البناية. هناك وقفت على الحافّة، تنظر إلى تحت، إلى المارّة من فوق. يبدو العالم من فوق صغيرًا وصاغرًا، ذليلاً، وضيعًا. تنظر إلى البشر من عل، تشمئزّ منهم ومن تعصّبهم وسطحيتهم، تشفق عليهم وعلى حقارتهم...

     فتحت يديها للريح، كنسرٍ يبسط جناحيه ليحلّق عالياً في السماء... قفزت تاركة همومها وعذابها، والدها السكير، والعالم القبيح، ورذائل المجتمع الشنيعة...

     ما زالت تذكر حتى الآن الشعور بالسقوط، الاستسلام للفراغ... رمت بنفسها على أمل ألاّ تفيق. أرادت ملاقاة حبيبها. غير أن القدر لم يرحمها، ولم يشأ إنهاء عذابها. السقوط لم يقتلها... البقاء اليوم يقتلها.

     منذ سنة، حاولت ماريا أن تضع نهاية لحياتها... لم تمت في ذلك اليوم، بل هي تحتضر وتموت كلّ يوم... تطفئ سجائرها، وتطفئ جمر المأساة، كما انطفأت عواطفها يوم مات وسيم.

     جفّ الدمع في عينيها، واعتادت أن تتنفَّسَ الدخان، كما اعتادت كرسيها المدولب، وحزنها، وشللها.

الحكمة - برازيليا
(الجائزة الأولى – 2004)

«تــجــاوز»
مجلة إلكترونيَّة شهريَّة
أدبيَّة ثقافيَّة
تصدر عن جمعيَّة «تجاوز»، وتنشر إلكترونيًّا وحصريًّا عبر موقعنا:
Sky of LEBANON.com

العدد الثالث
حزيران (يونيو) 2006

 

«تجاوز» الناشئة

 

Sky Of LEBANON - All Rights Reserved - Copyrights © 2005 - 2006